بيان جامعة فرهنجیان ردًّا على بيان جامعة الأزهر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير الأنبياء والمرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أصدرت جامعة الأزهر – نسأل الله أن يهديها إلى الصراط المستقيم – بيانًا أدانت فيه بشدة العمليات العسكرية الإيرانية ضد الكيان الصهيوني، ووصفتها بأنها «اعتداءات غير مبرَّرة على جيرانها». غير أنّ هذا البيان – سواء كان ذلك عن قصد أو غير قصد – تجاهل سياق العدوان ومقدماته، وتغاضى عن مئات الانتهاكات والاعتداءات المتكررة التي ارتكبتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد الأراضي والسيادة الإيرانية، والتي بلغت ذروتها باستهداف الأراضي الإيرانية مباشرةً خلال هذا الشهر الفضيل.
وللأسف، فقد مالت جامعة ذات مكانة علمية رفيعة كهذه إلى تبنّي رواية المحتل في بيانها، فوصفت الدفاع المشروع عن النفس بأنه «عدوان»، متناسيةً أن ما قامت به إيران كان ردًّا حاسمًا على اعتداءٍ واضح استهدف منشآتٍ حيوية إيرانية، ومنازلَ المدنيين الأبرياء، وشعبًا أعزل، في انتهاكٍ صارخٍ لجميع القوانين الدولية والمعايير الإنسانية.
أما الأقلام التي لا تسعى إلى الحقيقة، فقد اعتادت أن تستقي معلوماتها من روايات الدعاية الأمريكية والصهيونية وأدواتها الإعلامية، ثم تتحدث باسم الدين والعلم. وقد وقع بيان الأزهر في الأمر نفسه؛ إذ استشهد بآياتٍ قرآنية وأحاديث نبوية في غير موضعها، ليمنح شرعيةً زائفة لموقفٍ سياسي لا يمتّ إلى العدل بصلة، متجاهلًا قول الله تعالى:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ» (الحجرات: 6).
فهل تحقّق علماء الأزهر من صحة الأخبار قبل إصدار هذا البيان؟ أم أنهم اكتفوا بما نشرته أبواق العدوان من أخبارٍ مضللة ومحرفة؟ إن الدفاع عن حرمات الناس ودمائهم لا يكون بالانحياز إلى المعتدي، ولا بإصدار بيانات تخلط بين المقاومة المشروعة والإرهاب المدان. فالإسلام الذي يدعو إلى السلام لا يأمر بالخضوع للظلم ولا بالتغاضي عن جريمة العدوان. ومن هنا نلفت الانتباه إلى النقاط التالية:
1. التذكير بحق الدفاع المشروع في شهر الصيام
قال الله تعالى: «فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ» (البقرة: 194).
لقد اختار المعتدون الأمريكيون والصهاينة شهر رمضان لشنّ عدوانهم الوحشي، ففي هذا الشهر الذي أُنزل فيه القرآن، امتدت يد الخيانة والعدوان لتستهدف المدارس والمستشفيات والمنازل، ولتقصف المدن الإيرانية وتروّع المدنيين العُزّل. فأين الإدانة لهذا العدوان السافر في شهر الصيام والعبادة؟ وأين التنديد بمن انتهك حرمة الشهر الكريم بدماء الأبرياء؟
2. في الوقت الذي كان فيه المسلمون في إيران وغيرها من البلدان يصومون نهارًا ويقيمون الليل، كانت طائرات المعتدي الأمريكي‑الصهيوني تقصف المدن الإيرانية مستهدفة الأطفال والنساء وكبار السن. يا له من تناقضٍ عجيب! بأي منطقٍ إسلامي يُعتدى على شعبٍ في شهر القرآن، ثم يُدان هذا الشعب نفسه عندما يدافع عن سيادته وأرضه؟
3. الإشارة إلى جرائم الكيان الصهيوني في فلسطين وغزة
كيف يمكن لبيان الأزهر أن يتجاهل ما يجري في غزة وفلسطين من قتلٍ ودمارٍ وتهجير أمام أعين العالم، في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة مواجهة غير مسبوقة بين إيران والكيان الصهيوني، دون أن يجد كلمة واحدة لإدانة هذه الجرائم المستمرة منذ عقود؟ أليست الدماء التي تُراق في فلسطين دماء مسلمين؟ أليست القدس القبلة الأولى للمسلمين وثالث الحرمين الشريفين؟ أليس ما يحدث في غزة اليوم امتدادًا للعدوان نفسه الذي تواجهه إيران في شهر رمضان؟
4. يا علماء الأزهر! بأي ذنب قُتل مئة وثمانية وستون طالبًا في مدرسة «مناب» في مطلع رمضان؟ وبأي ذنب استُشهد الأبرياء في المستشفيات والمنازل وشوارع مدن أصفهان وتبريز وشيراز وطهران نتيجة الاعتداءات المتكررة من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في هذا الشهر المبارك؟ كيف يُتغاضى عن دماء المسلمين في اليمن والعراق وسوريا، ثم يُصدر اليوم بيان إدانة ضد من يدافع عن أرضه وكرامته في شهر العبادة والمغفرة؟
5. لأكثر من أربعة عقود، كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية في طليعة الداعمين للقضية الفلسطينية ولحركات المقاومة، ولم تتردد في نصرة المظلومين في أي مكان. واليوم، حين تردّ على العدوان في هذا الشهر الفضيل، فإنما تفعل ذلك في إطار حق الدفاع المشروع عن النفس وفق القانون الدولي، لا طمعًا في أرضٍ ولا اعتداءً على جار.
6. دعوة للمراجعة في ضوء أحداث رمضان
يُنتظر من علماء الأزهر الكرام مراجعة مصادر معلوماتهم، وألا ينحازوا لرواية المحتل على حساب دماء المسلمين، وألا تُستغل مكانتهم العلمية لتبرير عدوان الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على الأمة الإسلامية في هذا الشهر الذي أُنزل فيه القرآن هدىً للناس. إن الأمة الإسلامية تنتظر منكم كلمة الحق في شهر الحق، لا كلمات التبرير التي تُدفع أثمانها من دماء الصائمين.
7. يا علماء الأزهر!
في خضم هذا العدوان على إيران في شهر رمضان المبارك، جرى تهديد واستهداف المرشد الأعلى للثورة الإسلامية سماحة آية الله علي خامنئي. ومن الواضح لأي مراقب منصف أن استهداف مرجعية دينية بارزة يُعد انتهاكًا صريحًا للأعراف الدينية والمعايير الدولية. ففي مختلف الأديان والتقاليد، تحظى الشخصيات الدينية الكبرى باحترام خاص بوصفها رموزًا روحية للأمم، ولا يجوز استهدافها أو التحريض عليها، لاسيما في شهرٍ كريم كشهر رمضان.
8. ولم يقتصر العدوان على ذلك، بل شمل أيضًا شخصيات سياسية وعلمية بارزة في إيران، من علماء وأساتذة جامعيين وشخصيات وطنية. وهذا يتعارض مع جميع المواثيق الدولية التي ترفض استهداف المدنيين والعلماء والشخصيات العامة.
9. كيف يمكن للأزهر أن يتجاهل استهداف مرجعية دينية شيعية بارزة، وأن يصدر في الوقت نفسه بيانًا متسرعًا ضد من يدافع عن أرضه ووطنه؟ أليست المراجع الدينية في مختلف المذاهب الإسلامية موضع احترامٍ وصيانة؟ ألم يؤكد علماء الأزهر عبر تاريخهم على حرمة دماء العلماء وكرامتهم؟
خلاصة القول:
لقد استند موقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية دائمًا إلى الشرف والحكمة والمصلحة، ومدّت يد الخير والسلام إلى جيرانها، لكنها في الوقت نفسه لن تتردد في الدفاع عن مبادئها وحقوقها حتى في أقدس شهور السنة. وما يُنتظر من المؤسسات الدينية العريقة أن تكون صوت الحق، لا صدىً لأبواق التضليل.
وأخيرًا، فإن هذه الحرب التي اندلعت في شهر رمضان المبارك ستنتهي – بإذن الله – بانتصار الحق، وسيبقى الندم على من غابت عنهم الحقيقة بسبب الجهل أو التعصب.
وكما كان نصر بدر في رمضان وفتح مكة في رمضان، فإن النصر على العدوان الظالم المفروض في هذا الشهر الكريم سيكون – بإذن الله – صفحة أخرى تُروى عبر الأجيال.
«وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ» (التوبة: 105)
جامعة فرهنجیان
الجمهورية الإسلامية الإيرانية
فروردين 1405 هـ.ش – شوال 1447 هـ – 2026 م

تعليقكم :